التفتازاني

53

شرح المقاصد

وكان الجدل في نشأته الأولى في دولة اليونان كعلم له قواعد وأصول . معظما مبجّلا بين الحكماء وتلاميذهم ، وجمهرة المعنيين بالحكمة والمعرفة ، وكان اسم « السوفيست » أعظم شأنا من اسم الفيلسوف ، لأن السوفيست ينتمي إلى ربّة الحكمة « صوفية » فهو الحكيم الذي ألهمته تلك الربة وفرغ من مئونة المعرفة . فلما ظهر الحكيم ( فيثاغورس ) « 1 » استكبر هذه الدعوى وتواضع فسمى نفسه فيلسوفا أي محبا للحكمة . وتصدى لتعليم الجدل أو البراهين الخطابية أناس يقصدهم المتعلمون ليعرفوا كيف ينتصرون على خصومهم في مجال المنازعة والملاحة ، ويضع الآباء أبناءهم في كفالتهم ليدربوهم على صناعة الجدل ، والتأثير في سبيل الإقناع بالحجة أيا كان حظها من الحقيقة . ومما يحكى عن أستاذ جدلي أنه اتفق مع تلميذ له على أن يخرجه للدفاع في القضاء والمنازعات العامة خلال سنتين بأجر متفق عليه . فلما انتهت السنتان طلب الأستاذ أجره . فقال التلميذ : بل أناقشك في هذا الأجر هل تستحقه بعملك أو تطلبه بغير حق . . ؟ فإن أقنعتك بأنك لا تستحقه فلا حق لك فيه باعترافك ، وسكوتك حجة على هذا الاعتراف . وإن لم أقنعك فلا حق لك فيه ، لأنك لم تعلمني كيف أقيم البرهان على دعواي . ؟ ؟ وكان جواب الأستاذ كمثال تلميذه ، مثلا للبرهان المطلوب في هذه الصناعة فقال له : إنني أقبل أن أناقشك ولكن على غير النتيجة التي خلصت إليها .

--> ( 1 ) ولد بجزيرة ( ساموس ) من أعمال آسيا الصغرى ثم ارتحل إلى بلاد الشرق في طلب العلم وأخيرا استقر به المقام في جنوب إيطاليا ، حيث أنشأ هذه المدرسة وأخذ هو وتلاميذه يصيغون العلوم الرياضية .